لقط الدرر

لقط الدرر من مناهج أهل الأثر

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين ، وبعد ..
فهذا جمع موجز مختصر لبعض الأدلة من الكتاب و السنة ، و انتقاء لشيء من عبارات العلماء و الأئمة من المتقدمين و المتأخرين في بعض مسائل أصول الدين .

محمد جميل حمامي
القدس

الأولى : من هم أهل السنة و الجماعة ؟!

قال الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : [ هم من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه اعتقاداً وقولاً ، وسموا بذلك لتمسكهم بالسنُّة ولاجتماعهم عليها ] ( مجموع فتاوى الشيخ العثيمين 4/260 )
و قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : [ و السُّنَّة هي : الطريق المسلوك ، فيشمل ذلك التسمك بما كان عليه هو و خلفاؤه الراشدون من الاعتقادات و الأعمال و الأقوال ، و هذه هي السَّنَّة الكاملة ، ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم " السنة " إلا على ما يشمل ذلك كله، و روي معنى ذلك عن الحسن و الأوزاعي و الفضيل بن عياض ] ( جامع العلوم و الحكم 1/263)
و قال قوام السنة الأصبهاني رحمه الله : [ قولهم فلان على السنة و من أهل السنة ، أي هو موافق للتنزيل و الأثر في الفعل و القول ، لأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله] ( الحجة في بيان المحجة 2/384)
قال ابن مسعود رضي الله عنه [ إنما الجماعة ما وافق الحق و إن كنت وحدك ] ( رواه البيهقي و اللالكائي )
و قيل يا رسول الله ! أيُّ الناس خير ؟! فقال ( أنا ؛ و الذين معي ؛ ثم الذين على الأثر ، ثم الذين على الأثر ) ثم كأنه رفض من بقي ( رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنها ستكون فتنة ) فقالوا كيف لنا يا رسول الله ؟ قال ( ترجعون إلى أمركم الأول ) ( رواه الطبراني وهو حديث صحيح ) و قد تواتر قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ تفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، - فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم : من هي يا رسول الله ؟! فيقول : ( الجماعة) أو ( هم الذين على ما أنا عليه اليوم أنا و أصحابي) ]
قال ابن تيمية : [ ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة و الجماعة .. و أما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ و التفرق و البدع و الأهواء ، ..فإن أهل الحق و السنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية : أهل الحديث و السنة ، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أعلم الناس بأقواله و أحواله و أعظمهم تمييزاً بين صحيحها و سقيمها و أئمتهم فقهاء فيها و أهل معرفة بمعانيها واتباعاً لها تصديقاً وعملاً وحباً و موالاة لمن والاها ومعادة لمن عاداها ] (بتصرف من الفتاوى 3/346 )
و قد اتفقت كلمة أهل العلم على أن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة وهم السلف الصالح وهم أهل السنة و الجماعة ، قال ابن المديني [ هم أصحاب الحديث و الذين يتعاهدون الرسول صلى الله عليه وسلم ويذبون عن العلم ] [رواه الترمذي] ، و قال ابن المبارك [ هم عندي أصحاب الحديث ] ، وقال الإمام أحمد [إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ] و تواتر هذا التفسير عند العلماء كابن حبان و الآجري و البغدادي و الحاكم و النووي وابن قتيبة و البغوي و غيرهم كثير كثير يصعب حصرهم .
” فأهل السنة هم الذين درجوا على منهاج النبوة ، ولم ينفصلوا عنه ولا لحظة زمنية واحدة لا باسم ولا برسم ، فليس لهم شخص ينتمون إليه سوى النبي صلى الله عليه وسلم ومن قفى أثره ، وليس لهم رسم ومنهاج سوى ( منهاج النبوة : الكتاب و السنة ) وليس لهم جماعة من المسلمين بل ( جماعتهم المسلمون ) … فأهل السنة و الجماعة هم الذين يمثلون الامتداد الطبعي للإسلام في مجموعه وصفائه ، وللمسلمين في اجتماعهم و ائتلافهم …و لمّا حصلت تلك الفرق منتسبة إلى الإسلام منشقة عن العمود الفقري للمسلمين ظهرت الألقاب الشرعية المميزة لجماعة المسلمين لنفي الفِرَق و الأهواء عنهم ، سواء ما كان ثابتاً لهم بأصل الشرع : ( الجماعة ) ، ( جماعة المسلمين ) ، ( الفرقة الناجية ) ، ( الطائفة المنصورة ) أو بواسطة التزامهم بالسنن أمام أهل البدع ولهذا حصل الربط بالسلف الأول :
( السلف ) ، ( أهل الحديث ) ، ( أهل الأثر ) ، ( أهل السنة و الجماعة ) ” ( بتصرف من كتاب حكم الانتماء إلى الفرق و الأحزاب و الجماعات الإسلامية للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله )

وحتى تكون منهم يجب أن تلتزم بجميع خصالهم وتعتقد عقيدتهم، قال الإمام البربهاري : [ ولا يحل لرجل مسلم أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه اجتمعت فيه خصال السنة ، و لا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها] ( شرح السنة 128 )

الثانية : منهجهم في أسماء الله وصفاته

يُثبت أهل السنة و الجماعة لربهم كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء و الصفات ، ويؤمنون بها على حقيقتها وظاهرها على الوجه اللائق به عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل .
و الأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر ، فمن ذلك ما روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) إلى قوله تعالى : ( سميعا بصيرا ) ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقرؤها ويضع إصبعيه ) [برقم 4728 و قال الألباني صحيح الإسناد ] وكذلك ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( .. فيكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ) [وهو في الصحيحين ]
و حديث أبي رزين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه ، قال : قلت : يا رسول الله ! أويضحك الرب ؟ قال : نعم ، قلت : لن نُعدم من رب يضحك خيراً ) [رواه الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني ] و أيضاً سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله فأجابت في السماء ، و إقراره جوابها .[ رواه مسلم وغيره ]
ويدل بما لا يدع مجالاً للشك على ذلك أن القرآن العظيم نزل مبيناً واضحاً ظاهراً فمن المحال أن يكون أعظم ما فيه وهو صفات الرب خافياً لا يهتدى إليه إلا بتأويل متكلف أو مجاز محدث ، فلا ريب أن الأصل في الكلام هو حمله على حقيقته ، ولذلك لم تختلف كلمة الصحابة قط في صفة من صفات الله ولم يتنازعوا في تأويلها ولم يرد عنهم تأويلها بل أجمعوا على إقرارها كما جاءت و إثبات حقائقها لله على الوجه اللائق .
قال العلامة محمد صديق حسن خان : ( ومن صفاته سبحانه : اليد و اليمين و الكف و الإصبع و الشمال و القدم و الرجل و الوجه و النفس و العين و النزول و الإتيان و المجيء و الكلام و القول و الساق و الحقو و الجنب و الفوق و الاستواء و القوة و القرب .. و الضحك و التعجب و الحب و الكره و المقت و الرضا و الغضب و السخط و العلم و الحياة و القدرة و الإرادة و المشيئة و الفوق و المعية و الفرح إلى غير ذلك مما نطق به الكتاب و السنة ، فأدلة ذلك مذكورة فيها ، فكل هذه الصفات تساق مساقاً واحداً ويجب الإيمان بها على أنها صفات حقيقية ، لا تشبه صفات المخلوقين ، ولا يمثل ولا يعطل ولا يرد ولا يجحد ولا يأول بتأويل يخالف ظاهره)[ قطف الثمر من عقيدة أهل الأثر 76 و أنظر أدلة ذلك كله في كتاب الواسطية وشروحها خاصة شرح العثيمين ]
و قانون هذه المسألة ما قاله الإمام مالك بن أنس لما سئل كيف استوى الرحمن على العرش : ( الكيف منه غير معقول ، و الاستواء منه غير مجهول و الإيمان به واجب و السؤال عنه بدعة ) [رواه أبو نعيم وابن عبد البر و البيهقي وغيرهم و صححه الذهبي وابن حجر ]
وما قاله الإمام الشافعي رضي الله عنه : ( نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن و وردت بها السنة و ننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال : { ليس كمثله شيء } ) [ ذكره الذهبي في السير 20/348 ]
قال الإمام ابن عبد البر حاكياً الإجماع على ذلك : ( أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن و السنة و الإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك) [ التمهيد 7/131 ]
فأهل السنة عندما يثبتون هذه الصفات لله عز وجل لا يثبتونها على صورة تشبه ما عليه المخلوق قال العلامة صالح الفوزان : ( الله سبحانه و تعالى منزه عن مشابهة الخلق { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } { ولم يكن له كفواً أحد } فهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه ، وإن كان له أسماء وصفات تشترك مع أسماء و صفات الخلق في اللفظ و المعنى لكن في الحقيقة و الكيفية لا تشابه بينهما) و قال الإمام أبو اسماعيل الصابوني [ت 449هـ] واصفاً أهل السنة : ( يثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم .. وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: ا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ).[ كتابه عقيدة السلف صفحة 3 ] فكن أيها الفاضل العاقل على يقين من هذا وبصيرة لتكن من أهل الحق وتجانب أهل الباطل .

الثالثة : منهجهم في إفراد العبودية لله

التوحيد هو أول واجب دعا إليه الرسل ، و هو أصل دعوتهم كما قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية36) و التوحيد هو أعظم حق لله تعالى على عبيده ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ) [ الصحيحين ] قال شيخ الإسلام : ( التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية لله وحده ، بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله ،ولا يعبدوا إلا إياه ،ولا يتوكلوا إلا عليه ،ولا يوالوا إلا له ، ولا يعادوا إلا فيه ، ولا يعملوا إلا لأجله ، وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية) ا.هـ ، وهذا النوع من التوحيد – إفراد الله بالعبادة – هو الذي وقع فيه النـزاع من قديم الدهر وحديثه و هو الذي أرسلت الرسل لتقريره ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات:56)
قال الإمام ابن جرير الطبري : ( .. لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية، ويجوز لك وللخق عبادته إلا الله الذي هو خالق الخلق ومالك كل شيء ) [ جامع البيان 26/53] و قال الإمام القرطبي : ( أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية ) [ تفسير القرطبي 5/118] و قال الإمام الألباني : ( الشرك في الألوهية أو العبودية وهو أن يعبد مع الله غيره من الأنبياء و الصالحين كالاستغاثة بهم وندائهم عند الشدائد ونحو ذلك ) [شرح الطحاوية 7 ]

قال العلامة صالح الفوزان : ( يجب صرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له؛ فمن صرف منها شيئا لغير الله؛ كمن دعا غير الله، أو ذبح أو نذر لغير الله، أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك الشرك الأكبر وأذنب الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة، سواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو لشجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو لولي من الأولياء حي أو ميت؛ كما يفعل اليوم عند الأضرحة المبنية على القبور؛ فإن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا غيرهم‏، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ‏}[ النساء :116]‏ ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‏}[ الجن : 18 ] ، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا‏}[ النساء :36 ]) [ الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد 32 ]

و أدلة هذا الأصل الأصيل كثيرة بحمد الله ، لا ينكر ذلك إلا رجل طمس على قلبه وبصره و العياذ بالله ، وقال {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (المؤمنون:117) وقال : { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} (يونس:106) و قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ) [ الترمذي ] و قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار ) [ البخاري ] و الدعاء هو العبادة كما صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز صرف شيء منه لغير الله .
ولا يغرنك قول الزائغين ! أنهم يتقربون إلى الله بنبي أو وليّ ولا يعبدوهم ! فهذا عين حجة كفار قريش قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس:18) )و إذا أمر الله نبيه أن يقول : { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً} (الجـن:21) و أن يقول : {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (لأعراف:188) فهو في حق غيره أولى بالمنع .
فيجب الإهتمام بهذا الأمر والاجتهاد في تعليمه للناس فهم في جهل فيه ، وهذا إبراهيم عليه السلام يخاف على نفسه الشرك فيدعو ربه
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (ابراهيم:35)وقد بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه العظيم – وحريّ بكل مسلم أن يديم النظر في هذا السفر المبارك – باب الخوف من الشرك ، وقد أخبر النبي في غير ما حديث أن الشرك سيقع في أمته ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد الأوثان ) [ صحيح الجامع7295 ] . قال الإمام الألباني في كتابه تحذير الساجد : ( ففي هذه الأحاديث دلالة قاطعة على أن الشرك واقع في هذه الأمة فإذ الأمر كذلك فيجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل الوسائل و الأسباب التي قد تؤدي بأحدهم إلى الشرك )

الرابعة : منهجهم في مسائل الإيمان و الكفر

يرى أهل السنة أن الإيمان لا يكون في القلب فقط بل يكون في القلب و اللسان و الجوارح ، و يرون أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية
قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل : ( الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، كما جاء في الخبر ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) [ السلسلة الصحيحة 84 ]، فقال العلامة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله معلقاً على هذا الأصل من أصول أهل السنة : ( فالإيمان قول وعمل ؛ قول القلب و اللسان و عمل القلب و الجوارح ، أو تقول : الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، هذا هو الإيمان عند أهل السنة )[ أصول السنة للإمام أحمد مع شرحها للشيخ ربيع 59 ]
وقال الإمام مالك : ( الإيمان قول وعمل يزيد و ينقص ) [ الانقاء 34 ] وهو مروي عن الشافعي كما في مناقبه [1/387]
وهذا قول العلماء النجباء ، بل نقل الإمام ابن عبد البر الإجماع على هذا الأصل فقال : ( أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ، ولا عمل إلا بنية ، و الإيمان يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ) [ التمهيد 9/239] ، و قال الإمام الشافعي : ( كان الإجماع من الصحابة و التابعين و من بعدهم ومن أدركناهم يقولون : الإيمان قول وعمل ونية) [الإيمان لابن تيمية 197 ]
و الكتاب و السنة ناطقان بهذا قال تعالى {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ }(الفتح الآية4) وقال:{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً }(مريم الآية76)
وكذلك يرى أهل السنة أن الإيمان يتبعض ، فالإيمان عندهم شعب و درجات ، قال شيخ الإسلام : ( إن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه ، كما في قوله عليه الصلاة و السلام : (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)[ البخاري ]ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض ) [ مجموع الفتاوى 18/270] ويدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الإيمان بضع و سبعون شعبة ) [ الصحيحين ]
و يرون – كذلك – جواز الاستثناء في الإيمان ، قال شيخ الإسلام : ( و أما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود و أصحابه و الثوري و ابن عيينة و أكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة ، و أحمد بن حنبل و غيره من أئمة السنة ، فكانوا يستثنون في الإيمان ، وهذا متواتر عنهم ) [ الفتاوى 7/438] ولو أردنا نقل نصوص السلف في هذه المسألة لطال الأمر .
قال تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون:60) وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء فقالت : يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ، ويخاف أن يعذب ؟ ، قال : ( لا يا ابنة الصديق ، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق و يخاف أن لا يقبل منه ) [ السلسلة الصحيحة 1/255]

ولا يوقعون حكم التكفير على مسلم إلا إذا دل الكتاب و السنة على كفره دلالة واضحة صريحة بينة لا لبس فيها ولا خفاء ، فليس كل فعل أو قول وصفته النصوص بالكفر يكون المراد بالوصف الكفر المخرج من الملة ، فالكفر كفران أصغر و أكبر .
وهو أنواع : كفر جحود وتكذيب و إباء و شك و نفاق و إعراض و استهزاء و استحلال .
قال الإمام الشوكاني ( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار)
قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) [مسلم ] ، و قال للصحابي – الذي قتل المشرك بعد تلفظه بالشهادتين اجتهاداً منه أنه قالها ليهرب من القتل – منكراً عليه : ( هلا شققت عن قلبه ! ) [ مسلم ]
فالتكفير أمره خطير لا ينبغي أن يرتقيه كل أحد ، فلا يتجاسر عليه إلا خواص أهل العلم ، يوقعون التكفير على من وقع في الكفر بعد تحقق الشروط فيه و انتفاء الموانع عنه ، و الواقع اليوم أن غلماناً ارتقوا هذا الصعب ! وحكموا على الناس بالكفر لشبهة خارجية و لوثة حرورية تدنسوا بها ، فاربأ بنفسك عنهم ، وعليك بتقريرات العلماء الكبار ، و المسألة تحتاج بسط أكثر لا تتسع له هذه السطور ، فاقرأ ما سطره الإمام الألباني في كتابه ( فتنة التكفير ) مثلاً و غيره من إخوانه علماء أهل السنة كالأئمة ابن باز و العثيمين و غيرهم .

الخامسة : القرآن و السنة بفهم سلف الأمة

قال عز وجل : {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء:115) و قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ و إياكم ومحدثات الأمور ) [ السلسلة الصحيحة 2735 ] هذا قانون النجاة و السلامة ، ففيه الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم و تحريم مخالفته وتحريم البدع ، وكذلك اتباع سبيل الصحابة رضي الله عنهم واتباع فهمهم ، فهنا أصلان مهمان بهما ينعقد رسم الدين ، وبضدهما ينفرط عقده :
الأصل الأول : [ تجريد المتابعة للرسول وتحريم البدع ] :
فاعلم أن اتباع الرسول هو أصل الأصول فكما وحدت المرسِل وحد المرسَل ،قال عز وجل :{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7) وقال:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً}(المائدة: 3) وقال :{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النور: 63) ، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) [السلسلة الصحيحة 937] وقال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [متفق عليه] وقال : (خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمور محدثاتها وكلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة) [رواه مسلم] وقال : ( من رغب عن سنتي فليس مني) [البخاري] وقال : ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم به كتاب الله وسنتي )[رواه البيهقي] قال ابن عمر : ( كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ) وقال : ( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ) وقال ابن عباس ( اتبع ولا تبتدع ) قال الإمام ابن القيم : ( ولا دين إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم الدليل على الأمر ) [ إعلام الموقعين ] ،فالبدع كلها شرّ وضلال ، لا خير فيها أبداً مثل ما يفعله الجهال كالاحتفال بمولد النبي أو الهجرة أو الإسراء و المعراج أو مثل من يخصص وقتاً معيناً بعبادة بعبادة معينة دون دليل أو من يزيد القراءة قبل الأذان أو يلزم نفسه بحزب وورد مخترع ومن ذلك بدعة الذكر الجماعي و البدع في الأمة كثيرة أصابتها بتخمة وحولتها عن السنة فكل بدعة تظهر تموت في قبالتها سنة.
الأصل الثاني : [ فهم النصوص على ما فهمه الصحابة ] :
قد شهد الله لمنهج الصحابة بالخيرية فقال:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران: 110) وزكاه النبي فقال:(خير الناس قرني)[البخاري] ،وحث الله على اتباع سبيلهم عز وجل :{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}[البقرة: 137] وهو منهج أثبت أنه الأوحد القادر على تخليص البشرية من آلامها ، فهو المنهج المثالي وهو أمانها قال صلى الله عليه وسلم ( أصحابي أمنة لأمتي )[رواه مسلم]؛قال الإمام البربهاري : ( فانظر رحمك الله كلّ من سمعت من كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تَعْجَلَّنَ ، ولا تدخلنّ في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم أو أحد من العلماء ؟ فإن أصبت فيه أثراً عنهم فتمسك به ، ولا تُجاوزه..) قال العلامة الفوزان:( فكلام الصحابة هو الميزان ،لأنهم تلاميذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينظر قولهم في الآية بماذا فسروها ،وفي الحديث بماذا شرحوه ،تأخذ من كلامهم وتفسيرهم لأنهم أقرب إلى الحق ممن جاء بعدهم لأنهم تلاميذ الرسول،وسمعوا التأويل و التفسير من الرسول صلى الله عليه وسلم وتلقوه منه فهم أقرب الناس إلى الحق، ولا عبرة بقول من يقول: إنّ الصحابة لا عبرة بهم! هم رجال و لهم أفكارهم ،ونحن رجال ولنا أفكارنا ،والزمان تغير!)ا.هـ [شرح السنة مع تعليق الفوزان] ، فلا يجوز فهم القرآن و السنة إلا على ما فهم أصحاب النبي وما لقنوه لأتباعهم ، أما هذه البدعة المحدثة – الفهم العصري لنصوص الدين ! – ما هي إلا قول على الله ورسوله بلا علم ! و ما هي إلا ضلال ليفهم كل واحد القرآن والسنة على هواه ومشتهاه ؛ قال الإمام أحمد رحمه الله : ( أصول السنة عندنا التسمك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و الاقتداء بهم وترك البدع ) وقال ( كل قول لم تسبق إليه فهو مظنة الخطأ )
قال الإمام مالك : ( من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً )

السادسة : حبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم

يعتقد أهل السنة محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و موالاتهم و الترضي عنهم و الاستغفار لهم و الثناء عليهم و الكفّ عما دار بينهم، قال عز وجل : {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:100) وقال عز وجل {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ*وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَالَّذِين٠ ? جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:8-10)قال النبي صلى الله عليه وسلم :( ألا أحسنوا إلى أصحابي ) وقال : ( يا أيها الناس اتقوا الله في أصحابي) [ رواهما ابن أبي عاصم ] وفي الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار : (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ، من أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي) [رواه مسلم] و أزاوجه صلى الله عليه وسلم من أهل بيته ، و معاوية و أبيه و أمه من أصحابه .
ويحرم سبهم و تنقصهم و التطاول عليهم ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تسبوا أحداً من أصحابي فلو أن أحداً أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ) [رواه مسلم] وهناك ثمة تفصيل علميّ مهم في حكم من سب أصحاب النبي ، حرره شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ألخص لكم فحواه وإلا فالمستزيد يرجع إليه : ” أولاً : من كفّر أو فسق كلّ الصّحابة ، أوجُلّهم رضي الله عنهم كَفَرَ ؛ومن استحل سب أحد من الصحابة أو من سبه لأجل صحبته يكفر ، وكذلك يكفر من كفّر أو فسّق أحداً من الصحابة ممن تواترت النصوص بفضله كالأربعة و أزواج النبي ، وكذلك يكفر من قذف عائشة أو غيرها من أزواج النبي ، ثانياً : من كفّر ، أوفسّق آحاد الصّحابة رضي الله عنهم : فهذا يفسق ؛ على الصّحيح ، و يستحقّالعقوبة ، و يُسجن حتّى يموت ، و لا يحلّ للسلطان أن يعفوَ عنه،ثالثاً : من سبّ آحاد الصّحابة رضي الله عنهم في غير دينهم ؛ كوصفهم بالبخل ، أو الجُبن، أو قلّة السّياسة ، فهذا يفسُق و لا يكفر – على الصّحيح – ، ويستحقّ من العقوبة مثل عقوبة من كفّر أو فسّق آحادهم – غير المتواتر فضلهم- ، أما إن استحلّ ذلك ؛فيكفر ؛ إجماعًا،أو سبّهم بذلك كلَّهم أو جُلّهم:فهذا كافرٌ ؛ على الصّحيح ،رابعاً : من لعنهم لعنًا؛ لا يُدرى : أَلَعنُ غيظٍ ؟، أم لعنُ اعتقاد ففيه خلاف . “
قالت عائشة رضي الله عنها :(أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم) وقال الإمام مالك عن من يسب أصحاب النبي :(إنّما هؤلاء قومٌ أرادوا القدح في النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك ؛ فقدحوا في أصحابه ؛ حتّى يُقال : رجل سوء؛ و لو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين) و قال الإمام أحمد : ( إذا رأيت رجلاً يذكر أحدًا من الصّحابة بسوءٍ ؛ فاتّهمه على الإسلام) وقال الإمام أبو حنيفة : ( مقام أحدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال ) وقال الإمام الطحاوي : ( نحب أصحاب رسول الله ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم و بغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين و إيمان و إحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان )وخير هذه الأمة الصديق ثم الفاروق ثم ذي النورين ثم عليّ ، ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة ، ثم المهاجرون ثم الأنصار ثم أهل بدر ثم أهل البيعة .
ولا يجوز التكلم بما شجر بين الصحابة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)[صحيح الجامع545] ، وقال الإمام المزني :(يقال بفضلهم و يذكرون بمحاسن فعالهم ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم ارتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيه وجعلهم أنصاراً لدينه فهم أئمة الدين و أعلام المسلمين) قال الإمام الصابوني : ( ويرون الكفّ عما شجر بين أصحاب رسول الله وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ويرون الترحم على جميعهم و الموالاة لكافتهم )
قال الإمام الشوكاني:(كراهة الرافضة للصحابة أريد بها هدم الإسلام)

السابعة : طاعة ولاة الأمور وتحريم الخروج عليهم

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59)قال الإمام ابن كثير في تفسيره : (الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء و العلماء ) وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : ( إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع و أطيع ، و عن كان عبداً مُجّدَّعَ الأطراف) و قال النبي صلى الله عليه وسلم :(عليك السمع و الطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثَرَة عليك) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :(من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة) وقال صلى الله عليه وسلم: (من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية) وقال صلى الله عليه وسلم: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ، فقال حذيفة :كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال : تسمع للأمير وإن ضرب ظهرك و أخذ مالك فاسمع و أطع ) [ كل ما مضى من صحيح مسلم ] وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنكم سترون بعدي أَثَرَة و أموراً تُنكرونها ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم ) [ رواه البخاري ]
و أخرج ابن عبد البر في التمهيد عن أنس رضي الله عنه :(كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سبِّ الأمراء ) ،وقال الإمام ابن تيمية : ( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة و الجماعة )[المجموع28/179] ، و قال الإمام ابن باز : (الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً فيختل به الأمن ، وتضيع الحقوق ) [المعلوم-9] ، قال الإمام ابن رجب : النصيحة لأئمة المسلمين حبُّ صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم و التدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم ) [ جامع العلوم و الحكم 1/222] ، وقال البربهاري : ( أمرنا أن ندعوا لهم بالصلاح ولم نؤمر أن ندعوا عليهم وإن ظلموا وجاروا لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم وصلاحهم لأنفسهم و المسلمين ) [ شرح السنة 114]
و النصح لولي الأمر يكون سراً لا علناً كي لا تثور عليه الدهماء ! ولا يُدخل في الأمر من ليس بأهله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمر فلا يُبْدِ له علانية ، ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا فقد أدّى الذي عليه له ) رواه أحمد وهو صحيح
قال الإمام ابن عثيمين : (الله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان وألا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور فهذا عين المفسدة و أحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس ) [ المعاملة – 32]
قال الإمام الطحاوي : ( ولا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة مالم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح و المعافاة ) فقال الإمام الألباني معلقاً:( قد ذكر الشارح في ذلك أحاديث كثيرة تراها مخرجة في كتابه ثم قال : و أما لزوم طاعتهم و إن جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم ، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ؛ فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا ، و الجزاء من جنس العمل ، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار و التوبة و إصلاح العمل ، قال تعالى{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30) ، {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأنعام:129) فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير ، فليتركوا الظلم !
قلت: وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم (من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم ويصححوا عقيدتهم ، ويربّوا أنفسهم و أهليهم على الإسلام الصحيح ، تحقيقاً لقوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد:11) ، وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله : (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تَقُمْ لكم على أرضكم ) ، وليس طريق الخلاص ما يتوهم بعض الناس – وهو الثورة و السلاح على الحكام بواسطة الإنقلابات العسكرية – فإنها مع كونها من بدع العصر الحاضر : فهي مخالِفة لنصوص الشريعة التي منها الأمر بتغيير ما بالأنفس) [ شرح الطحاوية للألباني ]

الثامنة : الولاء و البراء

يوجب الشارع على المسلمين بغض الكفار في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، ويحرم موالاتهم وتوليهم حتى يؤمنوا باللهوحده ويدعوا ما هم عليه من الكفر والضلال ، كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لايَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْأَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِإِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ }[آل عمران 118] ، وقال تعالى : {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواآبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة : 22]
وقال : {يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَإِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ }[ الممتحنة :1]
وقال تعالى : {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة: 4]
قال الإمام ابن باز : ( فهذه الآيات الكريمات وما جاء فيمعناها من الآيات الأخرى كلها تدل على وجوب بغض الكفار، ومعاداتهم، وقطع المودةبينهم وبين المؤمنين حتى يؤمنوا بالله وحده، أما التعارفالذي دلت عليه آية الحجرات فلا يلزم منه المودة ولا المحبة للكفار، وإنما تدل الآيةأن الله جعل بني آدم شعوباً وقبائل؛ ليتعارفوا، فيتمكنوا من المعاملات الجائزةبينهم شرعاً كالبيع والشراء، وتبادل السفراء، وأخذ الجزية من اليهود والنصارىوالمجوس، وغير ذلك من العلاقات التي لا يترتب عليها مودة ولا محبة) [ مجموع مقالات و فتاوى متنوعة ]
قال النبي صلى الله عليه وسلم : (المرء مع من أحب) [رواه البخاري] ،و روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن : ( تنصح لكل مسلم ، و تبرأ من الكافر) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ، قالوا يا رسول الله لم ؟ قال : لا تراءى نارهما) [صحيح الجامع 1474] ، وقال عمر لأبي موسى الأشعري لما استعمل كاتبا نصرانيا: ( لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله) [رواه الإمام أحمد]
قال شيخالإسلام رحمه الله: (والبراءة ضد الولاية, وأصـلالبراءة البغض ، وأصل الولاية الحب ، وهذا لأن حقيقة التوحيد أن لا يحب إلا اللهويحب ما يحبه الله, فلا يحب إلا لله, ولا يبغض إلا لله)[الفتاوى10/ 465 ] وقال : (والولاء والبراء من تمام محبة الله) ،و قال رحمه الله: (إذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة للهورسوله,أوجب بغض أعداء الله )[الفتاوى7 / 522]
و هناك مظاهر تدل على موالاة الكفار حرمها الشارع منها التشبه بهم في الملبس و الكلام ، قال الشيخ صالح الفوزان : ( يحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعبادتهم وسمتهم و أخلاقهم ) [رسالة له بعنوان الولاء و البراء] وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ) مشهور معروف ، ومن مظاهر موالاتهم المحرمة الإقامة في بلدانهم للحديث المذكور ، ومن ذلك مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها ، أو مدحهم و الإشادة بما هم عليه من المدنية و الحضارة ، و الإعجاب بأخلاقهم و مهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة و دينهم الفاسد قال تعالى : {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}[طـه:131] و أشنع ذلك كله الاستغفار لهم و الترحم عليهم ! لقوله تعالى : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113] ( انظر رسالة الفوزان )
ومن هذه المظاهر المحرمة مناصرتهم على المسلمين و معاونتهم والذب عنهم فمن فعل ذلك محبة في دينهم أو بغضاً في الإسلام فهذا كفر عياذاً بالله ، و من فعل ذلك لأجل دنيا يصيبها أو شهوة يريدها فقد وقع في كبيرة من الكبائر ، وعليه أن يتوب إلى الله من هذا .
قال الإمام محمد العثيمين رحمه الله : ( لا يحل للمسلم أن يصف الكافر – أياً كان نوع كفره سواء كان نصرانياً أم يهودياً أم مجوسياً أم ملحداً – لا يجوز له أن يصفه بالأخ أبداً ، فاحذر يا أخي مثل هذا التعبير ، فإنه لا أخوّة بين المسلمين و بين الكفار أبداً ، الأخوّة فهي الأخوّة الإيمانية كما قال عز وجل : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات: 10) ) [ مجموع فتاوى الشيخ 3/43]

التاسعة : بغضهم لأهل البدع

قال ربنا عز وجل :{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (الأنعام: 68)
و قال عز وجل :{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } (آل عمران:7) و روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال : ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأوئك الذين سمى الله فاحذروهم )
وقال صلى الله عليه وسلم: ( يكون أناس في أمتي يأتونكم بما لم تعملوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم و إياهم ) [رواه مسلم]
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من أَحْدَثَ حَدَثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله و لعنة اللاعنين و الملائكة و الناس أجمعين ) [ متفق عليه]
قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يكون أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه ، فلا يبقى منه مفصل إلا دخله ) [ السنة لابن أبي عاصم]
و قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة ) [ السنة لابن أبي عاصم ]
وقال صلى الله عليه وسلم : (القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) [رواه الحاكم وحسنه الألباني]
فلهذه النصوص المتقدمة – وغيرها – يحرم مجالسة أهل البدع و مداهنتهم و الدفاع عنهم ، ومن فعل ذلك ألحق بهم ، قال أبو قلابة :
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء ،فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون ) قال الفضيل بن عياض : ( أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع ) وقال ابن المبارك : ( إياك أن يكون مجلسك مع صاحب بدعة ) و قال الفضيل : ( من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ) [ما سبق من الإبانة الصغرى] ، وقال ابن أبي زمنين[في كتابه السنة]: ( لم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة ، وينهون عن مجالستهم ، ويُخَوِّفون فتنتهم و يخبرون بخلاقهم ، ولا يرون ذلك غيبة لهم ولا طعناً عليهم)
وحرّم كذلك النظر في كتبهم فقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم عمر من النظر في التوراة فمَنعُ النظر في كتب أهل البدع أولى .
قال العلامة ابن مفلح : (ذكر الشيخ موفق الدين رحمه الله في المنع من النظر في كتب المبتدعة ، قال :وكان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع ، و النظر في كتبهم ، والاستماع لكلامهم )[ الآداب الشرعية] ، وقال محمد بن سيرين : ( إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ) وكان الإمام مالك يقول لمن يأتيه من أهل الأهواء يريد مجادلته : ( أما أنا فعلى بينة من ربي ، و أما أنت فشاكّ فاذهب إلى من هو شاكّ مثلك فخاصمه )[السنة لأبن أبي زمنين] .
و يجب عقوبة أهل البدع و التشهير بهم حتى يحذرهم الناس ، ومن عقوبة أهل البدع هجرهم ، ويدل على هذا نصوص كثيرة منها هجر النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة المتخلفين ، قال البغوي : ( فيه دليل على هجران أهل البدع..وقد مضت الصحابة و التابعون و أتباعهم و علماء السنة على هذا ، مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة و مهاجرتهم ) [شرح السنة له] وقيل للإمام أحمد الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع ؟ فقال : ( إذا صام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه ، و إذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين ، هذا أفضل ) [ذكره عنه ابن تيمية ] وهذا ابن عمر يتبرأ من القدرية فيقول لسائله : (أخبرهم أني بريء منهم و أنهم مني براء) [رواه البخاري]قال شيخ الإسلام: (الراد على أهل البدع مجاهد ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول : الذب عن السنة أفضل من الجهاد ) [نقض المنطق 12]وقال : ( من قامت عليه الحجة من أهل البدع استحق العقوبة وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها ، وكانت منقصة له خافضة له مسقطة لحرمته ودرجته ،فإن هذا حكم أهل الضلال وجزاؤهم ، و الله حكم عدل ) [ الرد على الأخنائي] قال العلامة أحمد النجمي رحمه الله : ( يجب على أهل العلم أن يردوا على من خالف الطريقة الشرعية ، وبالأخص إذا كان هذا المخالف قد خالف في أمر من أمور الاعتقاد ،فإن الواجب على أهل العلم أن يبينوا ذلك وأن يفندوا تلك الشبهة التي اعتمد عليها و أن يصححوا الفهم الخاطئ فالواجب على من يعلم أن يبين لمن لا يعلم ) [ الفتاوى الجلية ]

2 تعليقات

  1. نعم هي درر
    أسأل الله أن يبارك فيك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.