أحاديث نفي الإيمان [5]

عقد الجمان على أحاديث نفي الإيمان

[ الحلقة الخامسة ]

من هنا المقدمة و الحديث الأول

ومن هنا الحلقة الثانية

وهنا تجد الحلقة الثالثة

وهنا تجد الحلقة الرابعة

متن الحديث :

قال الإمام أحمد في المسند : حدثنا روح حدثنا شعبة حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما و حتى يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن نجاه الله منه و لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )

التخريج  :

قال مخرجوا المسند [20/ 397] :

إسناده صحيح على شرط الشيخين. وسيتكرر برقم (13959) ، وانظر (12765) و (12814) .

شرح الحديث

أولاً : معنى نفي الإيمان في هذا الحديث :

المقصود هنا نفي كماله ، لأن للحديث لفظ آخر يفسره و يشرحه و هو قول النبي صلى الله عليه وسلم { ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان …} وهو في الصحيحن ، فسماها حلاوة الإيمان الناتجة عن كماله .

ثانياً : فوائد هذا الحديث :

قوله : لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما :

قال النووي [1] [محبة العبد ربه - سبحانه وتعالى - بفعل طاعته ، وترك مخالفته ، وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وذلك أنه لا يصح المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة .. وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوى بالإيمان يقينه ، واطمأنت به نفسه ، وانشرح له صدره ، وخالط لحمه ودمه ] ا.هـ

قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري [2] : [ محبة الله على درجتين :

إحداهما : فرض ، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة والانتهاء عن زواجره المحرمة والصبر على مقدوراته المؤلمة ، فهذا القدر لابد منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله ، كما قال بعض العارفين : من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب ، فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات أو أخل بشيء من فعل الواجبات فلتقصره في محبة الله حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله ، فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه . وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه لنقص محبته الواجبة في القلوب وتقديم هوى النفس على محبته وبذلك ينقص الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (البخاري (فتح : 2475) ، ومسلم (57)) الحديث .

والدرجة الثانية من المحبة - وهي فضل مستحب -: أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات ، والرضى بالأقضية المؤلمات ، كما قال عامر بن عبد قيس : أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ورضاني بكل بلية ، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت ، ولا على ما أمسيت. و قال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر ، ولما مات ولده الصالح قال : إن الله أحب قبضه ، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله . وقال بعض التابعين في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه .

وأما محبة الرسول : فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به ، وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته - كما سبق - ، فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله ، كما قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } [ آل عمران : 31] ومحبة الرسول على درجتين – أيضا :

إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات والرضى بذلك ، وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ويسلم له تسليما ، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئا من الخير إلا مما جاء به .

الدرجة الثانية : فضل مندوب إليه ، وهي : ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه ، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائما وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه ، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر ] ا.هـ

قوله : حتى يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن نجاه الله منه :

وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري [3] : [ أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار .

فإن علامة محبة الله ورسوله : محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه الله ورسوله - كما سبق - فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار ، قال الله تعالى { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [ الحجرات : 7] . والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن ، ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران ، كما في ” المسند ” عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : ” أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله ، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ ” ( المسند  ( 4/ 11-12))

وفي ” المسند ” – أيضا – أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به : ” لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت ” (” المسند ” ( 5/238)) . وفي ” سنن ابن ماجة ” (برقم (4034)) أن النبي صلى الله عليه وسلم وصي أبا الدرداء وغيره – أيضا . وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان ، فاختاروا الإيمان على النار . وفي ” الصحيح ” عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أن امرأة منهم أتى به ومعها صبي لها يرضع فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي فقال لها الصبي : يا أمه لِلَّهِ اصبري فإنك على الحق ” (مسلم ( 3005 )) .

وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة فصارت عليه بردا وسلاما . وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأمر ملك الروم بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه فبكى وقال : لم أبك جزعا من الموت ، لكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله عز وجل هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } [ النحل : 106] . ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك .

فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ولهذا قال يوسف عليه السلام : { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [ يوسف " 33] .

سئل ذو النون : متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر . وقال بشر بن السري : ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك .

واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده ويعزم على أن لا يلابس شيئا من جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله . فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك – خصوصا لمن اعتاده ثم تاب منه – فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته ، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى ، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله عز وجل .

وسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ، قال : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }  [ الحجرات : 3 ] . وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه وتصير التقوى لها طبيعة ثابتة ] ا.هـ

أما قوله : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين

فقد سبق و تكلمنا عليها .


[1] [1/203]

[2] [1/24]

[3] [1/26]

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.