الفتن
[ الداء و الدواء ]
خطبة جمعة
محمد جميل حمامي
مسجد السنة – بئر السبع
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } .
أمابعد .. فإن أصدق الحديث كلام الله ، و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ..
أيها الكرام ، قال ربنا : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [ الحديد ]
” فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهداً لأولى البصائر، وأنها لعب ولهو تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما فما هما إلا مشغلة للنفس و مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون العمر فيذهب ضائعاً في غير شيء .
ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون وبالنفوس استحساناً ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى ” *.
ولأجل ذلك قال ربنا { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } [ آل عمران ]
فما الدنيا إلا دار ابتلاء واختبار يسقط فيه الساقطون وينجح فيه العاملون ، يبتليهم الله بأنواع الفتن و المحن ليدخل أهل النارِ النارَ عقاباً لسوء عملهم ، ويدخل أهل الجنةِ الجنةَ فضلاً من الله لحسن عملهم ، كما قال ربنا جل وعلا { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [ العنكبوت ]
- فما هي هذه الفتن الذي تعرض للناس في حياتهم ؟
- وما أسبابها ؟
- وكيف النجاة منها ؟
فالفتنة : ما يتبين فيه حال الإنسان من الخير والشر وهي كـ”ـالقتل و الحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين إذا تحزَّبَوا ، ويكون ما يُبْلَوْنَ به من زينة الدنيا وشهواتها ، فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها ”
والفتنة إما أن تعترض لرجل بعينه فيفتن المرء في أهله أو ماله أو جاره أو ترك للواجبات كالصلاة و الصيام ونحو ذلك ، أو وقوع في المحرمات و المنكرات كما قال ربنا { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [ التغابن : 15]
و هنالك فتنة عامة تقع لكثير من الناس كفتن القتل و التنازع و التفرق و الدعوة إلى الضلالات ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطْر } [ البخاري ومسلم ]
[ من أسباب الوقوع في الفتن ]
- و يقع الإنسان في الفتن بسبب الجهل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { يُقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج } [ البخاري ] ، فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين الجهل و الفتن ، فهذا الإنسان لما كان جاهلاً بعواقب الأمور ، ولم يتبصر بمآلات الفعال دخل الفتنة من بابها بجهله وقلة بصيرته .
ثم اعرف أن فشو الجهل وقلة العلم شرط من أشراط الساعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل } [ البخاري ] .
و خطورة الأمر أنه إذا كان كذلك اتخذ الناس رؤوساً جهالاً يضلون الناس و يوردوهم المهالك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالماً ، اتخذ الناس رءوساً فسُئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضَلُّوا و أضَلُّوا } [ مسلم ] فهذا هو الحال و الله المستعان .
– وإن من أسباب الفتن أيضاً الخلاف و التحزب و التفرق و التشرذم كما قال ربنا { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [ الأنفال : 46] .
– ولعل من أخطر أسباب الوقوع في الفتن أيها الكرام هو اتباع الهوى وقد أخبرنا الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله ، فقال { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [ ص :26] ، والأمر كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : [ الهوى يصد عن الحق ] .
- و إن من أسباب الوقوع في الفتن أيضاً التنافس على الدنيا الزائلة و الركون إلى متاعها الحقيرة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم } [ مسلم ]
فهذه بعض الأسباب الموقعة في الفتن ، هذه بعض أسباب الداء ، ومعرفة الداء نصف الدواء ، وبقي الآن أن نذكر دواء الفتن حتى ننجوا منها ولا نتلبس بها أعاذنا الله وإياكم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : { إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ، إن السعيد لمن جُنِّب الفتن } [ صحيح الجامع ] فالسعيد هو الذي يبتعد عن الفتن ، ولا يقع بها ، ويتجنبها وينأى بنفسه عنها وعن شررها .
[ بعض أدوية الفتن ]
- و إن أول دواء من أدوية الفتن ينبغي الاهتمام به هو اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء و الإيمان و التوكل ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن } [ مسلم ] ، وقد قال ربنا جل وعلا { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [ الطلاق ] ، وإن من وسائل النجاة من الفتن المبادرة بالأعمال الصالحة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم { بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم } [ مسلم ] ، و القيام على العبادة والانقطاع إليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { العبادة في الهرج كهجرة إليَّ } [ مسلم ] و الهرج هو الفتن والاختلاط .
فيا أيها العاقل إذا وقع الناس في الفتن ، وهاجت أمورهم وماجت ، واختلط الحابل بالنابل ، وتشابك الناس ، اتركهم بحالهم وهاجر إلى ربك بالدعاء و العبادة و الإنابة لينجيك الله من هذه الحال ويمن عليك بحسن المآل .
- والدواء الثاني من أدوية الفتن هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شؤون الحياة ، فيكون الحكم لكتاب ربنا وسنة نبينا كما قال الله تعالى { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء :59] وكما وجهنا النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال { إنها ستكون فتن } فسأله الصحابة رضي الله عنه : أوكيف نصنع يا رسول الله ؟ فقال : { ترجعون إلى أمركم الأول } [ السلسلة الصحيحة ]
و كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله و سنتي } [ السلسلة الصحيحة ]
وقال صلى الله عليه وسلم { من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ } [ متفق عليه ]
” فإن النجاة من هذه الفتن في تجريد اتباع الرسول ، وتحكيمه في دق الدين وجله ، ظاهره وباطنه ، عقائده وأعماله ، حقائقه وشرائعه ، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام ، فالهدى كله دائر على أقواله و أفعاله ، وكل ما خرج عنها فهو ضلال ، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه و وزنه بما جاء به الرسول فهذا الذي ينجيه من فتن الدنيا ، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه ” .
وإنه لا يمكن الوقوف على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بطلب العلم فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخروج من الفتن قال له : { يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه } [ متفق عليه ] ، فإن الناس لما وقعوا في الفتن بجهلهم و اتباع أهوائهم كان المخلص من هذه الفتن هو العلم الشرعي ، ” فالقلب إذا مُنع عنه العلم يموت فإن العلم طعام القلب وشرابه و دواؤه ، وحياته موقوفة على ذلك فإذا فقد القلب العلم فهو ميت ، ولكن لا يشعر بموته فإذا كشف الغطاء ، وبرح الخفاء ، وبليت السرائر و بدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ، فحينئذ يكون الجهل ظلمة على الجاهلين ، و العلم حسرة على البطالين “
وانظر إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان يسأل عن الشر مخافة أن يدركه ، وهو قال أن الفتن قد أتت [ يهلك فيها أكثر الناس إلا من كان يعرفها ] ولا تتحصل له معرفة الفتن إلا بطلب العلم ، فالإنسان يطلب العلم ليعرف الشر فيبتعد عنه و ليعرف الخير فيلتزمه ويسلك سبيله ، ولأجل ذلك كثرت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في حكاية الفتن و أخبارها و أوصافها و السبل المنجية منها لتعرف أمته كل ذلك ، حتى أنه صلى الله عليه وسلم خطب بأصحابه رضي الله عنهم نهاراً كاملاً في حكاية ذلك .
وانتبه إلى أن هذا العلم الذي ينبغي أن يُطلب و يُعرف لينجو الإنسان بنفسه لابد أن يكون على أهل المنهج الصحيح ، لا على أهل الهوى و الضلال ؛ لأن هؤلاء يهيجون الأمور ولا يتبعون الكتاب والسنة وإنما يتبعون أهواءهم و آراءههم و عواطفهم ، ولا يحكمون الكتاب والسنة في هذه الأمور العظيمة الكبيرة ، بل يتكلمون بجهل و إحداث ، فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها } [ في الصحيحين ] فإياك وإياهم ، احذرهم واحذر تأصيلاتهم الباطلة و تقريراتهم الضالة ، ولا يمكن لك معرفة كل ذلك إلا بطلب العلم عن أهله الذين يسلكون سبيل النبي صلى الله عليه وسلم و أصاحبه وتابعيهم .
[ الخطبة الثانية ]
لربنا تمام الحمد ، وكامل الثناء و المجد ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق للناس أجمعين ، وبين في رسالته كل ما يحتاج له العبد في دنياه وأخراه ، وأرشده إلى كل ما فيه خلاصه من أدران هذه الحياة من مشكلاتها وهمومها ، ومن ذلك هذا الذي تكلمنا عنه من أدوية الفتن ، وقد سبق وأن ذكرنا بعض أدوية الفتن ، وهذه أيضاً جملة منها :
- فهذا دواء ثالث من أدوية الفتن ، ينبغي الاهتمام به للنجاة و السلامة ، وهو النأي بالنفس عنها و الفرار منها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تَشَرَّفَ لها تستشرِفه فمن وَجَدَ ملجأ أو مَعَاذَاً فليعُذ به } [ الصحيحين ] .
وعدم الاشتغال بها أو الخوض فيها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم موجهاً أمته لعدم المشاركة في هذه الفتن الهوجاء { كسروا قسيكم ( يعني القوس ) وقطعوا أوتاركم ( يعني وتر القوس ) واضربوا سيوفكم بالحجارة } [ السلسلة الصحيحة ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا كانت الفتنة بين المسلمين ؛ فاتخذ سيفاً من خشب } [ السلسلة الصحيحة ] فإذا رأيت فتنة بين المسلمين فلا تشارك بسلاحك فإننا قد نهينا أشد النهي عن الخوض في الفتن و المشاركة فيها ، بل أمرنا بالهرب منها وكفِّ الأيدي عنها ، فانظر إلى هؤلاء الذين خالفوا هذه الأوامر النبوية و الطريقة الشرعية أي إسلام نصروا ؟ وأي كفر كسروا ! و إي شيء طلبوا ! اللهم إلا التنازع على الدنيا و التنافس فيها فاللهم رحمتك و لطفك .
وانظر إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الخبير الحكيم يلجأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الوصية ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم { هل تملك عليك لسانك ؟ } فقال حذيفة : فما أملك إذا لم أملكه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { أفتملك يدك ؟ } فقال حذيفة : فما أملك إذا لم أملك يدي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم { فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ، ولا تبسط يدك إلا إلى خير } [ السلسلة الصحيحة ]
وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم وجهنا إلى ترك المشاركة في الفتنة بأيدينا وأسلحتنا فإنه أمرنا أيضاً بترك المشاركة فيها بألسنتنا ، فقال للنجاة من الفتن : { الزم بيتك ، واملك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بأمر خاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة } [ السلسلة الصحيحة ]
فلا تنغر بكثرة الساقطين ، ولا تغتر بكثرة الخائضين ! فما يخوضون إلا في باطل وضلال عاطل ، فدع عنك أمرهم ولا يبهرك بريقهم .
وانظر إلى توجيه نبيك الصادق المصدوق فاشدد يديك في غرزه واحرز نفسك في حرزه ، بل إن ابن عبّاس رضي الله عنهما يقول : [ إنّما الفتنة باللّسان و ليست باليد ] لينتبه لهذا الذين ليس لهم من همّ عند الفتنة سوى الكلام بأي كلام ! والخوض بغير خطام وزمام ، و التخبط في عظائم الأمور بجهل وهوى تام ! ” فإنّه ها هنا يظهر الإخلاص لله عزّ وجلّ والغَيرة الحقيقية على حرماته و الاتّباع الصّادق للسّلف ، و من الصّدق في الاتّباع الاستجابة لتلك النّصوص السّابقة و عدم التعرّض لها بتفلسف يضعف العمل بها ، و كلّ فلسفة لا قيمة لها إذا أشرقت شمس النّبوّة “
واعرف أننا لم نؤمر باعتزال الفتنة و عدم الاستخبار بها و تتبعها فقط ، بل أمرنا أيضاً باعتزال مواقعها وأماكنها وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من فرّ بدينه من الفتن ، وأمرنا أيضاً باعتزال أهلها الداعين إليها و الخائضين فيها و المشاركين بها ، فقال صلى الله عليه وسلم : { تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار فّأّنْ تموت وأنت عاض على جِذل شجرة خيرٌ لك من أن تَتْبَعَ أحداً منهم } [ السلسلة الصحيحة ].
إن هؤلاء أهل ضلالة و هوى يزينون الفتنة للناس لتكبر نارها و يزداد أوارها لتزداد اشتعالاً ! وينهل المسلمون من دماء بعضهم البعض ! وينالون من جسدهم الواحد ويفتكون به ، و أقل ما يقال عن دافع هؤلاء هو اتباع الهوى الأعمى أو الجهل التام بهذه الأمور ، وإلا فإنك أيضاً تراهم يخذلون عن أهل المنهج الصحيح الذين اختاروا ما اختاروا طاعة لربهم و نبيهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
- و الدواء الرابع من أدوية الفتن أيها الكرام هو بالصبر عليها لأنها ابتلاء من الله واختبار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن السعيد لَمَن جُنب الفتن ، ولَمَن ابتلي فصَبَرَ فَوَاها } [ السلسلة الصحيحة ] أي طوبا لهذا الإنسان الذي صبر وهنيئاً له ، بسبب صبره ، وحسبك بالصبر دواءً وعلاجاً للفتن ، فإن ” من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج ” ، فانظر إلى ما ناله بنو إسرائيل بصبرهم إذ قال ربنا : { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [ الأعراف ] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله } ، قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم ؟ ، قال : { بل أجر خمسين منكم } [ السلسلة الصحيحة ] .
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : { اصبروا حتى تلقوني على الحوض } [ في الصحيحين ]
وأخيراً أيها الكرام : [ نَوَّارُ الفتنة لا يَعْقِد ] فـ”ـإن للفتنة مظهراً خادعاً في مبدئه ، قد يستحسن الناس صورتها ، ويعقدون الآمال عليها ولكن سرعان ما تموت وتتلاشى مثل الزهرة التي تموت قبل أن تتفتح وتعطي ثمرتها ” ، ذلك لأن أهلها لم يسلكوا الطريقة الشرعية و لم يذعنوا للتوجيهات النبوية ، وما كان لله تم واتصل ، وما كان لغيره انقطع و انفصل .
فيا أيها الحكيم الحريص: هذه آيات الكتاب تتلى ، وهذه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تروى ، نُبه فيها على الداء و أرشد فيها إلى الدواء ، فهو صلى الله عليه وسلم قد قال : { ستكون أحداث وفتنة وفرقة واختلاف } [ صحيح الجامع ] و قال أيضاً : { ويل للعرب من شر قد اقترب ، أفلح من كّفَّ يده } [ صحيح أبي داود ] .
فمن انصاع لمثل هذه الأحاديث بالسلامة فاز وللنجاة حاز ، ومن اعترض عليها بهواه وجهله كان نصيبه الخسار و التبار ، عياذاً بالله .
ــــــــــــ
* : ما بين ” ” ليس من كلامي ، و إنما اقتبسه من غيري .
Filed under: العام



