تثبيت العرش

تثبيت العرش قبل التكميل و النقش

محمد جميل حمامي

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد ..
فقصة هذه الكلمات أن مجلساً ضمني وبعض الشباب للنقاش في مسائل كانت عالقة عنده ، فبعد أن جلست إليه و سمعت منه كلامه و إشكاله اقترحت عليه أن أقوم بإعداد مادة تكون أصلاً ننطلق منه في حواراتنا القادمة لتضح الأصول ويتحرر الخلاف لنثبت العرش قبل التكميل و النقش ،لأنني أردت أن تكون هنالك أرضية للحوار و النقاش التالي ، ننطلق منها و نرجع إليها ؛ فوافق ، وقمت بإعداد هذه المادة التي تراها فعليها كان الحوار و النقاش وهي دائرة في مسائل :
الأولى : من هم أهل السنة ؟
الثانية : كيف يخرج المسلم عن مسمى أهل السنة ؟ وفيها تطرق للفرق بين خطأ العالم السني و غيره .
الثالثه : أن جرح أهل البدع داخل في جرح الرواة ونقلة الحديث .
الرابعة : في قبول خبر الثقة .
الخامسة : في جرح الأقران .
السادسة : الموقف الصحيح من أهل البدع .
فأعددت هذه المادة ، وقد تعمدت أن أقصر الاستشهاد بكلام الأقدمين و أن لا أذكر كلاماً لعالم معاصر حتى لا يكون ذريعة في رد الحق و رفضه – مع العلم أن العلماء المعاصرين بارك الله فيهم هم السبب بيننا وبين الأقدمين ، ولاشك أن كثيراً من هذه النقول هنا إنما هي مستفادة من إحالاتهم و اقتباساتهم – ، فقرأت عليه المادة تامة في المجلس الثاني ، ولكن في المجلس الثالث كانت الأمور قد تغيرت – وللأسف – ورفض الشاب تتمة الحوار ، وأصر على ما هو عليه ، ومن الله الهدى و التوفيق .
وساورتني نفسي بأن أضع المادة للإخوة الأحبة هنا مع علمي باطلاعهم على هذه المسائل بالتفصيل و معرفتهم فيها ولكني قلت هي مساهمة مني و مشاركة ، فهاهي تفضلوها بارك الله فيكم .

أولاً : من هم أهل السنة ؟

” هم من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه اعتقاداً وقولاً ، وسموا بذلك لتمسكهم بالسنة ولاجتماعهم عليها ” ذكر شيء من الأدلة على هذا الأمر :
قال تعالى : { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } [ البقرة : 137]
و قال : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [ النساء :155]
وقال جل وعلا : {وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } [التوبة : 100]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ و إياكم ومحدثات الأمور }[حديث صحيح رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و الإمام أحمد وغيرهم انظر إرواء الغليل برقم (2455)]
وقال صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس خير : { أنا ، و الذين معي ثم الذين على الأثر ، ثم الذين على الأثر } ثم كأنه رفض من بقي . [ رواه الإمام أحمد وهو حسن انظر السلسلة الصحيحة تحت رقم 1839] .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفتن و وقوعها ، فسئل عن الخروج منها فقال : { ترجعون إلى أمركم الأول } [ رواه الطبراني وهو صحيح انظر السلسلة الصحيحة برقم 3165 ]
و معلوم توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ووصفه إياها { بالجماعة } [ الصحيحة 1492] وبأنها على ما كان عليه و أصحابه [ الصحيحة 203]

ذكر حروف من أقوال العلماء في هذا الأمر :

قال الحافظ ابن رجب : ( السنة: هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض ) [ جامع العلوم و الحكم : (2/120) ]
قال الأصبهاني : ( قولهم فلان على السنة ومن أهل السنة أي هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل و القول ، لأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله ) [ الحجة في بيان المحجة (2/384) ]
قال البربهاري : ( لا يحل لرجل مسلم أن يقول فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه اجتمعت فيه خصال السنة ، ولا يقال له صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها ) [ شرح السنة (128) ]
قال ابن بطة : ( ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ووصفها ، وما هي في نفسها ، وما الذي إذا تمسك به العبد و دان الله به سمي بها واستحق الدخول في جملة أهلها ، و ما إن خالفه أو شيئاً منه دخل في جملة من عَيَّنَّاه وذكرناه وحَذَّرَنَا منه من أهل البدع و الزيغ مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا ) [ الشرح و الإبانة صفحة (42) ] .

 

 

ثانياً : ما الذي يخرج المرء عن اسمهم ؟

 

 

قال الشاطبي : (هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، لأن الكليات تقتضي عددا من الجزئيات غير قليل، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب. … ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا ) [ الاعتصام (712) ]
و تأمل كلامي الشاطبي فإنه دقيق .

قال الإمام أحمد : ( ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها ) [ رسالته أصول السنة صفحة 17] ثم عد (33) أصلاً من أصول أهل السنة ويقول أن من ترك أصلاً من هذه الأصول لم يكن من أهل السنة .
قال ابن تيمية : ( و البدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب و السنة ..) [35/414]
وقال : ( من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع ) [6/71]

والأدلة على هذا عموم الأدلة السابقة التي توجب اتباع منهج أهل السنة و الجماعة ، و الأدلة عامة مما يعني وجوب الالتزام بجميع أصولهم وتحريم ترك أصل منها وإلا خرج عن اسمهم و طريقتهم ، وهي عامة أيضاً في كل زمان ومكان ومعلوم قول الإمام مالك : ( لا يصلح هذا الأمر إلا بما صلح به أوله ) فلا يُلتفت لقول من يقول أن منهج السلف لا يطبق في هذا الزمان قال ابن أبي ذئب: (إن الحق لا تنقله الأزمان عن مواضعه ، ولا تغيره عن وجهه ) [ الجزء فيه من أخبار ابن أبي ذئب للرِّبعي (صفحة : 58) ]

و هنا مسألة : في الفرق بين غلط العالم السُنِّي وغيره :

قال البربهاري : ( اعلم أن الخروج من الطريق على وجهين؛ أما أحدهما: فرجل زل عن الطريق، وهو لا يريد إلا الخير، فلا يُقتدى بزلته،فإنه هالك.
وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه، ويبين لهم قصته؛ لئلا يقع أحد في بدعته فيهلك ) [ شرح السنة صفحة (38) ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء – مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: – أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله وإن لم يكن مطابقا؛ لكن اعتقادا ليس بيقيني كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل وإن كانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر، فيعتقد ما دل عليه ذلك وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا … فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق. وقد سلك طريقه. وأما متبع الهوى المحض: فهو من يعلم الحق ويعاند عنه. وثم قسم آخر – وهو غالب الناس – وهو أن يكون له هوى فيه شبهة فتجتمع الشهوة والشبهة … فالمجتهد المحض مغفور له ومأجور. وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب. وأما المجتهد الاجتهاد المركب من شبهة وهوى: فهو مسيء. وهم في ذلك على درجات حسب ما يغلب ) [ مجموع الفتاوى (29/43) ]

وقال : (فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله: فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد؛ بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله؛ فهذا مغفور له خطؤه. كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} إلى قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}[1] . وقد ثبت في صحيح مسلم [2] {أن الله قال قد فعلت} وكذلك ثبت فيه [3] من حديث ابن عباس {أن النبي لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطى ذلك} . فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا ) [ مجموع الفتاوى (3/317) ]

و قال أيضاً : (مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره: أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدا وأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين لا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك ) [ مجموع الفتاوى (7/385) ]

وقال شيخ الإسلام : (ويلحق الذم من تبين له الحق؛ فتركه أو قصر في طلبه فلم يتبين له أو أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ذلك ) [ مجموع الفتاوى (4/195) ]
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( فطريقة السلف و الأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع و العقل ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ومن تكلم فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه . ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً ، وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل ) [ درء التعارض (1/254) ]

قال القيرواني : ( ومن قول أهل السنة : أنه لا يعذر من وداه اجتهاده إلى بدعة لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا ؛ إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة فسماهم عليه السلام مارقين ، وجعل المجتهد في الأحكام مأجوراً وإن أخطأ ) [ الرسالة (121) ]
وبهذا يتضح الفرق جلياً بين زلة العالم السني في مسألة ما بعد التحري والاجتهاد المطلوب ، لأن مثله لا يكون متبعاً لهواه مقدماً على الحق ما يراه ، و مخالفة من فسدت أصوله العلمية وخروجها عن القواعد المرعية ، وإن كان بظن البعض مجتهداً ، مع ضرورة الرد على أي مخالفة للحق من أي كانت فلا تلازم بين الرد و التبديع .
قال ابن رجب ( رد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه ، فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية فلو فرض أن أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته. وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن في الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: (كذب فلان) ومن هذا «قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” كذب أبو السنابل “[4] لما بلغه أنه أفتى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً لا تحل بوضع الحمل حتى يمضى عليها أربعة أشهر وعشر» . وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِّها أبلغ الردِّ كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها ويبالغ في ردها عليهم هذا كله حكم الظاهر.
وأما في باطن الأمر: فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بقالات من أخطأ في مقالاته فلا ريب أنه مثاب على قصده ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. وسواء كان الذي بين الخطأ صغيراً أو كبيراً فله أسوة بمن رد من العلماء مقالات ابن عباس التي يشذ بها وأُنكرت عليه من العماء مثل المتعة والصرف والعمرتين وغير ذلك.
ومن ردَّ على سعيد بن المسيِّب قوله في إباحته المطلقة ثلاثاً بمجرد العقد وغير ذلك مما يخالف السنة الصريحة، وعلى الحسن في قوله في ترك الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وعلى عطاء في إباحته إعادة الفروج، وعلى طاووس قوله في مسائل متعددة شذَّ بها عن العلماء، وعلى غير هؤلاء ممن أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم. ولم يعد أحد منهم مخالفيه في هذه المسائل ونحوها طعناً في هؤلاء الأئمة ولا عيباً لهم، وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث وغيرهما ممن ادعوا هذه المقالات ما كان بمثابتها شيء كثير ولو ذكرنا ذلك بحروفه لطال الأمر جداً. وأما إذا كان مرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه وتنقصَه وتبيينَ جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرماً سواء كان ردُّه لذلك في وجه من ردِّ عليه أو في غيبته وسواء كان في حياته أو بعد موته وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز وداخل أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» [5] . وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء وليس منهم فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيراً من الاقتداء بهم. وليس كلامنا الآن في هذا القبيل والله أعلم ) [ من رسالته الفرق بين النصيحة و التعيير (405 إلى 407 ) من المجلد الثاني في مجموع رسائله ]

 

 

ثالثاً : جرح أهل البدع داخل في جرح الرواة :

 

 

قال ابن رجب : ( وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه. ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضًا ) [ من مجموع رسائله (2/403) ]

و قال ابن تيمية محتجاً بحديث فاطمة بنت قيس على جواز الرد على المخالف وذكر الشر الذي عنده دون ذكر الخير الذي له فقال : (وأما الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع : ثم ذكر منها : ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كما في الحديث الصحيح عن {فاطمة بنت قيس لما استشارت النبي صلى الله عليه وسلم من تنكح؟ وقالت: إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال: {أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء} وروي: {لا يضع عصاه عن عاتقه} [6] فبين لها أن هذا فقير قد يعجز عن حقك وهذا يؤذيك بالضرب. وكان هذا نصحا لها – وإن تضمن ذكر عيب الخاطب. وفي معنى هذا نصح الرجل فيمن يعامله ومن يوكله ويوصي إليه ومن يستشهده؛ بل ومن يتحاكم إليه وأمثال ذلك؛ وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم؟ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم}[7] . وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى: أمر فلانا وفلانا فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة – وهم أفضل الأمة – أمرا جعله مانعا له من تعيينه. وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد – أظنه – والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ؟ فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: أنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم. ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء ) [ مجموع الفتاوى (28/229) ]
فانظر كيف جعل الكلام عن جرح المجروح من أهل الرواية و أهل البدع كلاماً واحداً واستدل له بنفس الدليل .

قال الصنعاني في معرض ذكره للمواطن التي تجوز بها الغيبة : (التحذير للمسلمين من الاعتزاز كجرح الرواة والشهود، ومن يتصدر للتدريس، والإفتاء مع عدم الأهلية، ودليله قوله: – صلى الله عليه وسلم – { بئس أخو العشيرة} [8] وقوله – صلى الله عليه وسلم – { أما معاوية فصعلوك} ) [ سبل السلام (2/670) ] فانظر كيف جعل جرح الرواة و الشهود و المتصدر للتدريس و الإفتاء من نفس الباب و استدل له بنفس الدليل .

قال ابن حبان : (فأما الجرح في الضعفاء فهو على عشرين نوعاً، يجب على كل منتحل للسنن، طالب لها، باحث عنها؛ أن يعرفها، لئلا يطلق على كل إنسان إلا ما فيه، ولا يقول عليه فوق ما يعلم. ثم عد منهم : ( النوع التاسع عشر: ومنه المبتدع، إذا كان داعية يدعو الناس إلى بدعته، حتى صار إماماً يقتدى به في بدعته، ويرجع إليه في ضلالته: “كـ غيلان”، و”عمرو بن عبيد”، و”جابر الجعفي”، وذويهم ثم روى بإسناده إلى ابن سيرين ـ رحمه الله ـ أنه قال: “كانوا لا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة؛ فسألوا عن الرجل، فإن كان من أهل السنة أخذوا حديثه، وإن كان من أهل البدعة فلا يؤخذ حديثه “. أخبرنا مكحول، حدثنا جعفر بن أبان الحافظ، قال: قلت لأحمد ابن حنبل: فنكتب عن المرجيء، والقدري، وغيرهما من أهل الأهواء؟. قال: “نعم إذا لم يكن يدعو إليه، ويكثر الكلام فيه؛ فأما إذا كان داعياً فلا ” و روى بإسناده إلى عبد الله بن يزيد المقري، عن رجل من أهل البدع رجع عن بدعته، جعل يقول: “انظروا هذا الحديث ممن تأخذون؛ فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً”، سمعت ابن المسيب يقول: سمعت ابن عبد الحكم يقول: سمعت ابن عيينة يقول: “كنا يوماً عند جابر الجعفي في بيت؛ فتكلم بكلام نظرنا إلى السقف فقلنا: الساعة يسقط علينا) [ كتاب المجروحين لابن حبان (1/82) ]

فانظر كيف أدخل جرح أهل البدع من ضمن الأنواع التي عدها في جرح الضعفاء ، وهذا الأمر كان معلوماً متقرراً عند السلف فهذا الإمام أحمد يتكلم في الكرابيسي ويجرحه و في أبي داود الظاهري و في الحارث المحاسبي ويحذر من الأخذ عنهم و التعامل معهم ليس بسبب ضعفهم في النقل وإنما لأجل انحرافهم عن السنة وأهلها ، و من طالع كتب أهل السنة عرف ذلك وتيقن منه ولولا وسوسات المشاغبين لما كنا بحاجة إلى ذكر هذا هنا ، فإن الكلام في أهل البدع لابد وأن يكون له قواعد وأصول تحكمه وتضبته ولا أنسب من قواعد أهل الحديث في الحكم على الرجال فالباب واحد و الداعي واحد ، وإنه يخشى ممن يريد إخراج الحكم على أهل البدع عن ضوابط وقواعد أهل الحديث أنه أحد رجلين :
– أما أنه يريد أن يدع الأمر هكذا دون ضابط أو قيد فينفلت الحبل على الغارب و يختلط الحابل بالنابل فيتكلم من شاء بمن يشاء دون ضابط أو قاعدة !
– أو أنه يريد أن يهدم هذا العلم وهو الحكم على أهل البدع و التحذير منهم بعزله عن قواعده و أصوله التي تحكمه وتضبطه ، فما هو العلم الذي بلا أصول أو قواعد ؟

 

 

رابعاً : في قبول خبر الثقة :

 

 

الميزان الحق أن أهل الصدق و الحق و الأمانة و العدالة تقبل أخبارهم في أمور الدين و الدنيا ، وقد روى البخاري [ في صحيحه برقم (199) ] عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ( إذا حدثك شيئا سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تسأل عنه غيره ) وفيه أيضاً برقم [2987] : ( ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر ) وكل أدلة قبول خبر الواحد – المعروفة – و كلام أهل العلم فيه نازلة هنا ولابد ، ويصلح هنا كذلك الأدلة المرجحة لقبول شهادة الشاهد الواحد وكلام العلماء فيه ، وقد طبق العلماء هذا الأمر فعلاً ، ومن ذلك :
قوله تعالى تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [ الحجرات :6]
قال القرطبي : (في هذه الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها. وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير) [ في تفسيره (16/ 312) ]
فانظر كيف لم يخص الآية بخبر الثقة فقط في نقل الحديث كما يريد البعض أن يفعل بل عممها في نقل أي خبر إلا ما استثناه ، ويدخل في كلامه نقل أخبار الثقات عن المجروحين و أحوالهم .

وقال الإمام مسلم : (وقال جل ثناؤه: {ممن ترضون من الشهداء}[9] ، وقال عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [10] ، فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين} ) [ مقدمة صحيحه صفحة 8 ]
قال الشافعي ضمن استدلاله على قبول خبر الثقة : (ألا ترى أن قضاء القاضي على الرجل للرجل إنما هو خبر يخبر به عن بينة تثبت عنده، أو إقرار من خصمٍ به أقر عنده ، وأنفذ الحكم فيه، فلما كان يلزمه بخبره أن يُنفِذَهُ بعلمه كان في معنى المخبِرِ بحلال وحرام، قد لزمه أن يُحِلَّه ويحّرمه بما شهد منه ) [ الرسالة : 420]
وهذا المتوكل يرسل للإمام أحمد قائمة فيها أسماء أناس يسأل عن توليتهم للقضاء ، فيجيبه الإمام أحمد عن كل واحد ممن ورد اسمه فيها ، ولم يقل أحد أن أحمداً فرد نرد كلامه ! بل هذا داود الظاهري ( قدم بَغْدَاد وَكَانَ بينه وَبين صالح بْن أَحْمَد حسن، فكلم صالحا أن يتلطف له فِي الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه، فَقَالَ له: رجل سألني أن يأتيك؟ قَالَ: ما اسمه؟ قَالَ دَاوُد، قَالَ: من أين، قَالَ: من أَهْل أصبهان، قَالَ: أي شيء صناعته؟ قَالَ: وَكَانَ صالح يروغ عَنْ تعريفه إياه فما زال أَبُو عَبْد اللَّهِ يفحص عنه حَتَّى فطن، فَقَالَ: هذا قد كتب إلي مُحَمَّد بْن يَحْيَى النيسابوري فِي أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني. قَالَ: يا أبت إنه ينتفي من هذا وَينكره، فَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد: مُحَمَّد بْن يَحْيَى أصدق منه، لا تأذن له فِي المصير إلي ) [ تاريخ بغداد (9/ 342) ]

وقال ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين : ( أجمع الجميع على أن الشاهدين لو شهدوا عند الحاكم على شيء من حطام هذه الدنيا ولم يعرفهما الحاكم بعدالة أن عليه أن يسأل المعدّل عنهما ؛ فإن كتم المعدل عيباً أو جرحاً علم فيهما أثم بل عليه الواجب أن يخبر الحاكم بما يعرف منهما من الجرح أو التعديل )

قال في عمدة القاري (13/6) : [ اتفقوا على أن يحكم – يعني القاضي – بعلمه في الجرح و التعديل لأن ذلك ضروري في حقه ]

 

 

خامساً : في جرح الأقران :

 

 

الضابط في هذه المسألة ما قاله اللكنوي : ( كلمات المعاصر في حق المعاصر غير مقبولة ؛ وهو مقيد بما إذا كانت بغير برهان أو حجة ، وكانت مبنية على التعصب والمنافرة ، فإن لم يكن هذا ولا هذا فهي مقبولة بلا شبهة ) [ الرفع و التكميل (200) ]
قال ابن عبد البر : (الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته وبانت ثقته وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه ) [ جامع بيان العلم وفضله (2/1093)]
قال السبكي : ( لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتي ببرهان واضح ) [ الطبقات (2/278) ]
وقال ابن حجر : ( كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم إذا كان غير مفسر لا يقدح ) [ تهذيب التهذيب (8/71) ]

ولا نطيل ؛ فإن المسألة هنا واضحة ولنعد إلى طريقة السلف في جرح المجروحين بالبينات و البراهين فإن جل ذلك اعتماد على كلام المعاصرين ، و إلا فكيف يعرف الجارح أخبار المجروح و أحواله ؟ فلا تجعل هذه المسألة ذريعة لرد الجرح المقبول المفسر من صاحبه في من يستحقه .

 

 

سادساً : الموقف الصحيح من أهل البدع :

 

 

قال ربنا عز وجل :{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام: 68)
و قال عز وجل :{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } (آل عمران:7)
و روى البخاري في صحيحه [4273] ومسلم [2665] عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال : ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأوئك الذين سمى الله فاحذروهم)
وقال صلى الله عليه وسلم : ( يكون أناس في أمتي يأتونكم بما لم تعملوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم و إياهم ) [ صحيح مسلم برقم 6 ]
وقال صلى الله عليه وسلم : (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [ صحيح مسلم برقم (80) ]
وقال صلى الله عليه وسلم وسلم : (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم) [ صحيح مسلم برقم 7 ]
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من أَحْدَثَ حَدَثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله و لعنة اللاعنين و الملائكة و الناس أجمعين ) [ متفق عليه]
قال النبي صلى الله عليه وسلم (سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبَ بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ) [مشكاة المصابيح (172) وعزاه لأحمد وأبي داود وصححه الشيخ الألباني في تعليقه هناك وفي صحيح الترغيب و الترهيب (51) ]
و قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته ) [ صحيح الترغيب و الترهيب (54) و عزاه للطبراني وإسناده حسن ]
وقال صلى الله عليه وسلم : (القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) [ صحيح الجامع (4442) و قال ( حسن ) وقد عزاه لأحمد وأبي داود و انظر السلسلة الصحيحة (2748) ]
فلهذه النصوص المتقدمة – وغيرها – يحرم مجالسة أهل البدع و مداهنتهم و الدفاع عنهم .
قال أبو قلابة : ( إياكم و أصحاب الخصومات ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يُلَّبِّسُوا عليكم بعض ما تعرفون ) [65]
قال الفضيل بن عياض : ( أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع ) وقال ابن المبارك : ( إياك أن يكون مجلسك مع صاحب بدعة ) [162] و قال الفضيل : ( من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ) [187] وقال ابن المبارك : ( إياك أن يكون مجلسك مع صاحب بدعة ، فإني أخشى عليك مقت الله عز وجل ) [164] [ما سبق من الإبانة الصغرى و قد ذكرت رقم الأثر بعده ] .
وقال ابن أبي زمنين[في كتابه السنة (293)]: ( لم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة ، وينهون عن مجالستهم ، ويُخَوِّفون فتنتهم و يخبرون بخلاقهم ، ولا يرون ذلك غيبة لهم ولا طعناً عليهم) ثم ذكر الآثار الدالة على ذلك .

وحرّم كذلك النظر في كتبهم فقد منع الرسول صلى الله عليه وسلم عمر من النظر في التوراة فمَنعُ النظر في كتب أهل البدع أولى ، قال العلامة ابن مفلح : (وذكر الشيخ موفق الدين – رحمه الله – في المنع من النظر في كتب المبتدعة قال: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم)[ الآداب الشرعية (1/232)] .
وقال محمد بن سيرين : ( إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ) [ مقدمة صحيح مسلم ]
وكان الإمام مالك يقول لمن يأتيه من أهل الأهواء يريد مجادلته : ( أما أنا فعلى بينة من ربي ، و أما أنت فشاكّ فاذهب إلى من هو شاكّ مثلك فخاصمه )[السنة لأبن أبي زمنين برقم (231)] .
و يجب عقوبة أهل البدع و التشهير بهم حتى يحذرهم الناس ، ومن عقوبة أهل البدع هجرهم ، ويدل على هذا نصوص كثيرة منها هجر النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة المتخلفين ، قال البغوي : (وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد … وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم) ثم ذكر بعض الآثار الدالة على ذلك[شرح السنة (1/226)]
وهذا ابن عمر يتبرأ من القدرية فيقول لسائله : (أخبرهم أني بريء منهم و أنهم مني براء) [رواه البخاري]
قال شيخ الإسلام: (الراد على أهل البدع مجاهد ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول : الذب عن السنة أفضل من الجهاد ) [نقض المنطق 12]
وقال : (من قامت عليه الحجة استحق العقوبة، وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها، وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة. فإن هذا حكم أهل الضلال، وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من الكرامة. ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحقه في الدنيا والآخرة من انخفاض منزلته وسقوط حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه، والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة) [ الرد على الأخنائي (214)]
وقال الصابوني أن من صفة أهل الحديث والسنة : ( يبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم ولا يسمعون أباطيلهم )
و قال : ( واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع و إذلالهم و إخزائهم و إبعادهم و إقصائهم و التباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم و التقرب إلى الله عز وجل بمهاجرتهم ) [ عقيدة أصحاب الحديث (100 و 112 ) ] .

هذا آخر الجمع و الله الموفق لا رب سواه
محمد جميل حمامي
القدس – فلسطين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة البقرة الآيات [285 – 286]
[2] صحيح مسلم برقم [200]
[3] صحيح مسلم [199]
[4] سلسلة الأحاديث الصحيحة [3274]
[5] قال الألباني في صحيح أبي داود [4880] : [ حسن صحيح، المشكاة (5044 / التحقيق الثاني) ، التعليق الرغيب (3 / 177) ]
[6] هو في الصحيحين و انظر طرقه وتخريجه في إرواء الغليل [1804]
[7] صحيح البخاري [57] ومسلم [59]
[8] صحيح البخاري [5685] ومسلم [2591]
[9] سورة البقرة الآية [282]
[10] سورة الطلاق الآية [2]

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.