[ مراقبة الله ]
خطبة جمعة
محمد جميل حمامي
مسجد السنة
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } .
أمابعد .. فإن أصدق الحديث كلام الله ، و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار
قال تعالى : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه }
فلا تظنن أيها العبد أنك تخفي على ربك شيئاً ، أو أنك إن أسررت ما في قلبك عن الناس قد نجوت ؛ لا والله القائل : { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } .
فيا أيها العبد إذا ما عرفت أن الله جل وعلا مستوٌ على عرشه فوق كل خلقه بصيرٌ سميعٌ يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون علم أزلي كامل فالله يطلع عليك ينظر إليك يعلم ظاهرك و باطنك في خلوتك وعلانيتك { وكان الله على كل شيء رقيبا } إذا ما عرفت هذا خشع قلبك ورق طبعك وارتعدت فرائصك من مخالفة أمره وإتيان نهيه .
فإن كنت كذلك ماذا لك ؟ وماذا عليك ؟ اسمع كلام ربك : { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبير } فاتق الله حيثما كنت وكيفما كنت .
فإن لم تفعل كيف يكون حالك في يوم تشخص فيه الأبصار ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء ؛ فيجعلها الله هباءً منثورا ، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها }
فيا أيها السائر إلى الآخرة أوشكت على الوصول لابد لك إذن أن تعرف أن الله يراقبك في خلوتك وفي كل زمان ومكان فاحرص أن لا يطلع عليك ربك المنعم المتفضل وأنت عاص له فيغضب الجبار ؛ وهل تقوى على غضبه ومقته ؟
انظر إلى نبيك الرحمة الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان إذا قام إلى الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل يقول : { إني أرى ما لا ترون أطّت السماء وحُق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَكَ واضع جبهته ساجداً لله تعالى ، و الله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفُرُش ولخرجتم إلى الصُعدات تجأرون إلى الله تعالى }
وأنظر إلى نبي الله يوسف شاب أعزب غريب جميل تراوده حسناء بعد أن هيأت له الأسباب ، فعف لله ولم يطعها وقدم حق الله على كل شيء فهو يعلم أنه لئن خفي عن أعين الناس فالله مطلع عليه فقال : { رب السجن أجب إليّ مما يدعونني إليه } فماذا كان له ؟ { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }
آما آن لك أيها الذاهب إلى قبر موحش مظلم أن تخلص في المسير لتنجو في المصير ؟
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أنَّ ما تخفي عليه يغيب
لهونا عن الأعمال حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن اللهَ يغفر ما مضى ويأذَنُ في توباتنا فنتوب
حتى الملائكة المخلوقة من النور لا تعصي ربها { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ، { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
فمراقبة الله جل وعز تجلب العمل لمرضاته و الأُنس به سبحانه ، فإنك إذا حققت هذا الأصل في قلبك حتى رسخ فيه واستقر به سمت همتُك إلى طاعة الله وفرت إليه وأقبلت عليه بالطاعات و العبادات و التذلل إليه و الإنكسار بين يديه فهذا جبريل عليه السلام يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : { أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك } ، فإذا ما بغلت هذه الرتبة العليا اتقيت الله في كل صغيرة وكبيرة لأنك عرفت أن الله معك حيثما كنت بعلمه وسمعه وبصره وأنه لا تخفى عليه خافية ، فإذا ما كنت كذلك أيها العبد الضعيف شرح الله صدرك بالإيمان و أعمره بالطمأنينة و الأمان وألبسك لباس السعادة و السرور وأبعد عنك الهم و الشرور فإن لم تتحصل على ذلك فاتهم قلبك وراجع إيمانك وانظر ماذا اكتسبت من معاصي وآثام .
فحاسب نفسك الآن قبل أن تقبل على الحساب وعاتب نفسك الآن قبل أن لا ينفع نصح أو عتاب كما قال ربنا { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }
قال ابن عباس : [ إنكم في ممر الليل و النهار في آجال منقوصة ، و أعمال محفوظة و الموت يأتي بغتة ، من زرع خيراً يوشك أن يَحصُدَ رغبة ، ومن زرع شراً يوشك أن يَحصُدَ ندامة ، ولكل زارع مثل ما زرع ]
فينبغي عليك أيها الطالب خيراً أن تراقب الله في كل أعمالك في قلبك وجوارحك كما قال أحد السلف : [ إنما هي أربعة : عيناك ولسانك وهواك وقلبك : فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك ، و أنظر لسانك لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك ، وانظر إلى قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين ، وانظر هواك لا تهوى شيئا ، فما لم تكن فيك هذه الأربع الخصال فالرّماد على رأسك ]
فتحاسب نفسك وتتق الله في سرك وعلانيتك فتخلص قلبك وتوحد الله جل وعلا ولا تشرك معه شيئاً لا في خوف ولا دعاء ولا حب ولا توكل وتعبده مخلصاً له كما طلب و أمر
و تنظر في معاشك ودنياك هل أصبت فيها حراماً أو أنك لا تطلب إلا الحلال فتحرص على أن لا يكون طعامك و طعام عيالك أن لا يكون إلا مما أحله الله لك لأنك تعرف أنك مسؤول عن ذلك كله .
و تراقب نفسك في معاملاتك للناس فلا تغش ولا تظلم ولا تسرق شيئاً ولو كان عود سواك لأن علمت أن الله مطلع عليك ناظر إليك .
فأنت تعرف أن الله هو الرقيب العليم السميع البصير فإياك أن تكون ممن قال الله فيهم { يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله وهو معهم } قال ربنا { وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم
- الخطبة الثانية -
الحمد لله المنفرد بكل كمال الموصوف بأتم صفات العظمة والجلال ، المنفرد باستحقاق العبادة و الدعاء و الإنابة ، ثم الصلاة و السلام على النبي المتبع و آله وصحبه مجاهدي المحدثات و البدع ، أما بعد ..
كان حديثنا فيما مضى عن ضرورة مراقبة الله تعالى في حياة العبد لاستقامتها وصلاحها ، ولسائل أن يسأل – بعد ذلك – ما الذي يعينني على بلوغ هذه المنزلة و تحقيق هذه المرتبة من مراقبة الله تعالى ؟
فاعرف أيها الطالب للنجاة أن أول ما يعينك على ذلك أن تعرف ربك فإنك كلما ازددت به علماً ازددت له حباً ، و هذا إنما يتحصل لك بطلب العلم للوقوف على صفات الله تعالى ومعرفتها كما قال ربنا جل وعلا { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء } فإذا عرفت أن الله { عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } رقت نفسك إلى خالقها واستحيت منه .
والأمر الثاني الذي يعينك على هذا أن تستشعر نعمة الله عليك فهو { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }
فالله أوجدك من العدم و خلق الخلق بعد أن لم يكن شيئاً وتفضل عليك بكل هذه الفضائل و أنعم عليك بكل هذه النعم وإنه لمن سوء الأدب – وأي سوء – أن لا تقوم بشكر من أنعم لك والثناء عليه و عد محامده والقيام بحقه و واجبه عليك .
و الشيء الثالث الذي يعينك على هذا بالتأسي بنبيك الكريم كما قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } فتتبع سنته وتسلك سبيله فكل الطرق إلى الجنة موصدة ! إلا طريق النبي صلى الله عليه وسلم
و الأمر الرابع الذي يعينك لذلك الرغبة في الجنة وما فيها من نعيم مقيم ورخاء وسرور ، و الرهبة من نار الجحيم وما فيها من عقاب و شرور .
ولا تيأس إيها العبد ولا تقنط فالله رحمن رحيم يغفر الذنب ويقبل التوبة ويحسن إلى عباده كما قال عن نفسه : { إن رحمتي سبقت غضبي } وكما قال : { يابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي . يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك . يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة } فكن مع { الَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * اُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }
ولا تدع للشيطان إليك سبيلاً بأن يقنطك من الله ويجعلك تيأس من رحمته ورضاه .
قال فضيل بن عياض لرجل : كم أتت عليك ؟ قال : ستون سنة .قال : فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك . توشك أن تبلغ .فقال الرجل : يا أبا علي إنا لله وإن إليه راجعون .قال له الفضيل : تعلم ما تقول ؟ قال الرجل : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون .قال الفضيل : تعلم ما تفسيره ؟ قال الرجل : فسِّره لنا يا أبا علي .
قال : قولك إنا لله تقول أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع . فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع ، فليعلم بأنه موقوف ، ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول ، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً .
فقال الرجل : فما الحيلة ؟ قال يسيره .قال : ما هي ؟ قال تُحسِن فيما بقي يغفر لك ما مضى وما بقي . فإنك إن أسأت فيما بقي أُخِذتَ بما مضى وما بقي .
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
{ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
{ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
Filed under: العام



