الخضوع للحق

- الخضوع للحق -

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أمابعد ..

 اعلم – رحمك الله – أن ربَنا – جل وعلا – خلقنا ولم يتركنا مهملين هكذا ؛ بل توعدنا بالنصح و التقويم ودلنا على الصراط المستقيم و أرشدنا إلى النهج القويم ، فأرسل الرسل مبشرين و منذرين ناصحين مصلحين كما قال ربنا {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [ البقرة : 213 ].

 فلا حجة للناس على الله بعدم اتباعهم الحق ذلك لأن الله قد أظهره و بينه على يد أنبيائه ورسله كما قال ربنا { رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [ النساء : 165] فالسعد كل السعد لمن أطاع الأنبياء و الخيبة و الخسارة لمن عصاهم وعاندهم ، قال تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) } [ الأنعام ] فليحذر أقوامٌ قد خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم اتباعاً لأهوائهم أو عاداتهم أو انتماءاتهم فليحذر هؤلاء عذابَ الله وسخطه فقد قال صلى الله عليه وسلم [ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، فقيل له ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ].

 وكم تجد اليوم من المسلمين من يتلى عليه آيات ربنا و أحاديث نبينا الآيات تلو الآيات و الأحاديث تلو الأحاديث فلا يرفع بها رأساً لأنها تخالف هواه أو لأنها تخالف معتقده وممشاه أو لأنه وجد قومه على غير هذه النصوص الشرعية ، أوما سمع هذا الخاسر قول الله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور :63]

فهذا الإمام مالك يسأله سائل عن مكان الإحرام فيرشده إلى الميقات الذي أقته النبي صلى الله عليه وسلم أنه من ذي الحليفة فيقول السائل أنه يريد أن يحرم من المدينة ! فيقول له مالكٌ إني أخشى عليك الفتنة ! فيقول السائل وأي فتنة في بضعة أميل ؟! فيتلوا عليه الإمام الفقيه مالك بن أنس رحمه الله قول الله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

 فليحذر هذا أقوام قدموا أقوال مشايخهم على نصوص الكتاب و السنة تعصباً لمشايخهم و فئاتهم وليخافوا هذا الوعيد لمن خالف الحق الذي قرره الكتاب و السنة لأنه خالف عاداتهم و طبائعهم و أعرافهم أو عقولهم أو أهواءهم

 أين هؤلاء من قول ربنا {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [ المائدة : 92 ]

و أين هم من قوله تعالى : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [ النور : 54 ]

 فطاعة الرسول واجبة على كل مسلم ومسلمة بحسب طاقته ، بل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم سببٌ للهداية و الرحمة ، بل إن الله تعالى أمرنا بطاعة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأوجبها علينا وجوباً لا اختيار لنا فيه فقال : { مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} [ الأحزاب :36] بل إنه يتأكد الإيمان إذا رضينا بالنبي صلى الله عليه وسلم حكماً علينا وقدمناه على كل ما هو عزيز علينا كما قال تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وكما قال : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} .

 ذلك لأن الذين يعارضون تقريرات النبي صلى الله عليه وسلم – بل ولعلهم يعادون من يدعوا إليها – إنما يحكمون أهوائهم و يتبعون آراءهم كما قال تعالى : {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [ القصص : 50 ] .

فالحاصل أن الذي يريد النجاة ويريد الصلاح في هذه الدنيا و في الآخرة عليه أن يتبع الحق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيطيعه بما أمر ويجتنب ما نهى عنه وزجر و عليه ألّا يعبد الله – جل وعلا – إلا بما شرع كما قال تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء : 69 ]

 فلا تعبد الله إلا بما أمر و شرع ولا تقبل كلام أحد من الناس إلا بالدليل الصحيح الصريح و إن جاءك ناصح بدليل على خلاف ما تعمل به فخذ بالدليل واترك ما أنت عليه تفز ويوفقك الله إلى الخير ، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم تلى على عَدِيٍّ بن حاتمِ الطائي قولَه تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة :31] فقال له عَدِيٌّ : يا رسول الله لسنا نعبدهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : { أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه ؟ } فقال عَدِيٌّ : بلى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : { فتلك عبادتهم } ! فصار فعلهم هذا – إذ قدموا قول أحبارهم ورهبانهم – على قول الله تعالى و أمر أنبيائه منافياً للإخلاص الواجب إفراده لله تعالى جل وعلا ومع ذلك تجد بعض الجهال اليوم من يرضى بأن يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويقدم رأي شيخه و إمامه على الكتاب و السنة مع أن الإمام الإمام الشافعي قد قال : ( أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد ) وهو القائل : ( إذا عارض رأي سنة النبي صلى الله عليه وسلم فخذوا بها و اضربوا برأيي عرض الحائط )

فأين هؤلاء المتعصبة من هذه التقريرات العالية و الأحكام الغالية ؟ أما يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار يُسألون لماذا خالفتم الحق ؟ فبماذا سيجيبون ؟! أسيقولون اتبعنا أهلنا و جماعتنا و مشايخنا ؟

قال ابن عباس رضي الله عنه لما أجاب من سأله بما يوافق الحديث فعارضه السائل بقول أبي بكر وعمر قال لهم ( يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر ) وهما هما في العلم و المنزلة و الفضل ! فكيف بمن هم اليوم ممن يقدمون رأي من لا يعد في زمرة العلماء أو الفقهاء على قول الله تعالى و نبيه الكريم ؟

فإذا قيل لهذا المتعصب بأنه لا يجوز الاستغاثة بغير الله و يحرم التوسل بغير الله وأن الله تعالى قد حرم دعاء غيره وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الحلف بغير الله وحرم الإحداث في دين الله جل وعلا وحرم التفرق و التحزب و التمزق أو بين له حرمة المعازف في الإسلام أو ضلال بعض الجماعات الفاسدة أو انحراف بعض شيوخ الضلالة ، فإنه لا يبالي بكل هذه الأحكام المبنية على الأدلة و البراهين الواضحة البهية فأصبح حاله كما قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [ البقرة :170] وكما قال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [ المائدة :140]

 فهؤلاء إذا جاءهم دعاة الإصلاح الذين يرشدون الناس إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم و أتباعه الكرام بماذا سيجابهونهم ؟! سيجابهونهم مثل الذين قالوا : { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 28 ]

فأين هؤلاء المتعصبة من هذه الآيات العظيمة و هذه الأحاديث النبوية الكريمة التي تأمر باتباع الحق حتى لو كان مخالفاً للأعراف و التقاليد و أحكام المشايخ و الزعماء و الكبراء وكونوا كما قال علي رضي الله عنه ( ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد ) أما الجهلة متعصبة اليوم فإذا جاءهم الحق من عند غيرهم فإنهم لا يقبلون به ولا يرضون فيه بل لا ينقادون للحق تعصباً لما هم عليه و العياذ بالله ، بل لعلك إذا تليت عليه آية أو حديثاً يقرر خلاف مراده هو أو خلاف ما اعتاد عليه أو خلاف ما قاله له رئيسه أو شيخه أو استاذه فإنه لا يلتفت لهذه الآيات و الأحاديث ويتعصب لرأي من يتبعه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ولقد اشتد نكير الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – و أتباعهم من بعدهم على من خالف الحق لأجل الهوى أو المشتهى أو العادة ونحو ذلك ، وأغلظوا عليهم في التوبيخ و التحذير وأمثلة هذا يطول ذكرها مع ظهورها لمن طلبها .

و القصد من هذا أن لا نقدم أحداً على نبينا صلى الله عليه وسلم فإذا جاء أحد بأمر ما ينسبه إلى الدين ! فلا نتعجل في تطبيقه و فعله ، بل نتريث حتى يأتينا بالدليل الصحيح الصريح عليه من القرآن الكريم أو من السنة الشريفة ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : { تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك } و قد قال أيضاً صلى الله عليه وسلم { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد }.

فإي عبادة أمرنا أحد الناس بها أو حكم شرعي أو فعل ديني فلا نقبل به حتى نعرف إذا جاء الأمر به من الله أو من نبيه .

 و إذا كنا نفعل فعلاً دينياً أو عبادة نظنها من الدين ثم جاءنا الناصح وبين لنا أنها ليست من الدين علينا أن نتركها و نقدم قول الله تعالى ونبيه على فعلنا و قولنا ، قال ابن تيمية ( فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعاً لما جاء به الرسول ، ولا يتقدم بين يديه ، بل ينظر ما قال ، فيكون قوله تبعاً لقوله ، وعلمه تبعاً لأمره ، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ، فلهذا لم يكن فيهم من يعارض النصوص بمعقوله و لا يؤسس ديناً غير ما جاء به الرسول فمنه يتعلم وبه يتكلم وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل )

و قال  ( فمن بنى الكلام في العلم الأصول و الفروع على الكتاب و السنة و الآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة)

و قال بعض السلف : ( علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة ، من لم يقرأ القرآن و يكتب الحديث لا يعتد به في علمنا )

فإن الواجب كمال التسليم للنبي صلى الله عليه وسلم و الانقياد لأمره و تلقي خبره بالقبول التصديق دون أن نعارضه بعقولنا و أهوائنا و أعرافنا وتقاليدنا ودون أن أن نشكك في كلام ربنا أو كلام نبينا لأجل أن نقدم عليه كلام سواهما فكل كلام يعارض كلام الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه مهدور  مطروح .

فعليكم التثبت في دينكم لا تقبلوا به من كل أحد ولا تقبلوا فيه كل أحد و سيروا على طريقة الصحابة الكرام في اتباعهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على آرائهم و ظنونهم كذلك كانوا فهكذا كونوا يوفقكم الله إلى طاعته ومرضاته .

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.