فائدة قرآنية

قال تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ (9) } [ سورة الزمر ]
فما هي مناسبة ذكر الذين يعلمون والذين لا يعلمون في هذا الموضع ؟

أولاً : هذا من باب المقابلة فإن الله جل وعلا في الآية الثامنة ذكر حال المعاندين الجاحدين ، ثم ذكر حال الشاكرين لربهم بالقيام و الصلاة ، و أيضاً فإنه تعالى ذكر حال الجاهل و العالم فكما أنه من المعلوم أن لا مساواة بين العالم و الجاهل فلا وجه للمساواة في الحكم و المآل بين الجاحد و الشاكر :
قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيره ( 720 ) :
هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علما يقينا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع لله بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن.
{قل هل يستوي الذين يعلمون} ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم {والذين لا يعلمون} شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار.
{إنما يتذكر} إذا ذكروا {أولو الألباب} أي: أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة الله على مخالفته، لأن لهم عقولا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه ” انتهى .

قال في التحرير و التنوير (23/345) :
الاستفهام إنكاري والقرينة على إرادة الإنكار تعقيبه بقوله:
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لظهور أن هل فيه للاستفهام الإنكاري وبقرينة صلة الموصول. تقديره: أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر؟
والاستفهام حينئذ تقريري ويقدر له معادل محذوف دل عليه قوله عقبه: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ” انتهى .

قال الإمام ابن كثير ( 7/89) :
وقوله: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله؟! {إنما يتذكر أولو الألباب} أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل ” انتهى .

ثانياً : أن مناسبة ذكر الذين يعلمون و الذين لا يعلمون في هذا السياق أنه لما ذكر خبر المعاند الجاحد و خبر الشاكر الصالح ناسب أن ينبه إلى أن الذي يعلم جزاء الأول و الثاني لا يستوي مع الذي لا يعلم :

قال الإمام الطبري ( 21/268) :
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيئها شرا؟ يقول: ما هذان بمتساويين
وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن عليّ في ذلك ما حدثني محمد بن خلف، قال: ثني نصر بن مزاحم، قال: ثنا سفيان الجريري، عن سعيد بن أبي مجاهد، عن جابر، عن أبي جعفر، رضوان الله عليه (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) قال: نحن الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون ” انتهى .

رد واحد

  1. لي ولك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.